الشيخ محمد تقي الآملي

24

مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى

النهروان فأصبح أصحاب علي عليه السّلام يبكون عليهم فقال علي عليه السّلام أتأسون عليهم ، فقالوا لا ، انا ذكرنا الألفة التي كنا عليها والبلية التي أوقعتهم فلذلك رققنا عليهم ، قال لا بأس . ( ومنها ) ان الخبر الذي ينقل بطريق العامة من أن الميت يعذب ببكاء أهله ضعيف ، فأول ما يرد عليه ما رواه البخاري عن ابن عباس إنه قال ذكرت ذلك - أي ما رواه عمر عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ان الميت يعذب ببكاء أهله - لعائشة فقالت واللَّه ما حدّث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ان اللَّه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال إن اللَّه ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ، وقالت حسبكم القران : « ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ، وفي حديث أخر عن البخاري أيضا عن عائشة إنها قالت انما مر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله على يهودية تبكي عليها أهلها فقال صلَّى اللَّه عليه وآله إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها . ( وربما يقال ) في حمله بأن أهل الجاهلية كانوا ينوحون ويعدون جرائم اعمال موتاهم كالقتل وشن الغارات ويظنون إنها من خصالهم المحمودة ، فالميت حينئذ يعذب بما يكون عليه ( ولا يخفى ما فيه ) فان البكاء لا يصير حينئذ سببا لعذابه وإنما يعذب بما كان يعمله من الجرائم ( وقد يقال ) ان الميت يعذب بما يوصى به من الندبة والنياحة لكون ذلك حملا منه لغيره على المعصية ( وهذا الوجه أيضا ليس بشيء ) لان العذاب حينئذ على الوصية بالبكاء لا على نفس البكاء ( ويمكن ان يقال ) ان الباء في قوله ببكاء أهله بمعنى مع ، يعنى ان الميت يعذب بما يستحقه مع بكاء أهله عليه ، وهذا الوجه موافق مع الحديث الأخير المروي عن عائشة من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ( وكيف كان ) فالقول بكراهة البكاء على الميت مستدلا بهذا الحديث ضعيف . ( ومنها ) ان البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر إذا لم يكن مقرونا بعدم الرضا بقضاء اللَّه تعالى جائز لكنه يوجب حبط أجر المصاب في مصيبة ، ولعله يكون مكروها من هذه الجهة ، وإما مع الاقتران بسخط لقضائه تعالى فهو حرام قطعا ، وقد قال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله في مصيبة ولده إبراهيم تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب . مسألة ( 2 ) يجوز النوح على الميت بالنظم والنثر ما لم يكن مشتملا على الويل والثبور لكن يكره في الليل ويجوز أخذ الأجرة عليه إذا لم يكن بالباطل